Home

لكَ في قلبي شمعةٌ لن تذوبَ…

16-05-2019

بقلم روكز مزرعاني

 

لأنّني لا أُتقِنُ مخاطبتَكَ بلُغَةِ السّماءِ، ولأنّني أتلعثَمُ بها وفيها خائفًا مضّطربًا متردّدًا، فقد رأيتُ أن أُخاطبَكَ بلُغَةِ الأرض…

غبطةُ البطريرك صفير،

التقيتُكَ لأوَّلِ مرَّةٍ حينَ كنتُ في السّابعةَ عشرةَ من عُمري… حينها أطلَقْتَ عليَّ تسميَةَ “القرقور”…

سبعُ رسائل وتسعُ زياراتٍ بين بكركي والديمان خلال سنوات 1994 و2005…

في خريف سنة 1999حَضَنْتَني وأنقذْتَني حينَ عَلِمْتَ أننّي أواجهُ خطر إخراجي من أرضِ الوطنِ الى أقبيةِ التّعذيبِ والتّغييب…

أبي البطريرك،

ينحازُ إليكَ الكلامُ طالعًا مِن محابِرَ شاهقة…

يتضامَنُ معكَ المَعنى، مَوشومًا برحيقِ النُّبل…

وحدَهُ التّاريخُ يُبْحِرُ فيكَ بِعَيْنِ صيّادٍ عتيقٍ… يصطادُكَ مِنكَ… يُحاولُ تسلُّق جغرافيّة روحِكَ الشّاهقة…

أتيتَ الى كُرسيِّكَ الكبيرِ كبيرًا…

وكَبِرتَ أكثر فَكَبِرَ الكرسيُّ أكثر…

وكلَّما كَبِرَتِ الكراسي، نَدُرَ الذينَ يستطيعونَ مَلأها…

نحنُ يا سيّد في زَمَنٍ يَنْشُدُ الكراسي بِلا رجال… والتّيجانُ بِلا جباه…

نحنُ في زَمَنٍ يُخاصِمُ الحضور ويُبارِكُ التّلاشي…

فممنوعٌ يا سيّدي، أن نكون… وممنوعٌ اعتناقَ القضايا في زمنِ أقزامِها…

أيُّها الفارسُ الذي قاربَ عمرُهُ مئةَ عام…

حَرامٌ ظَهْرُ فَرَسِكَ البَيْضاءُ بَعْدَكَ…

فالخَيْلُ أعلمُ بفُرسانِها…

امتطيتَها وكانَ لكَ مِن أناقَةِ العقلِ دِرْعٌ… ومِن جلالَةِ الحِكمَةِ سيفٌ… ومِن بياضِ الإيمانِ جُبَّةٌ سوداء، تُثيرُ بنورها الغيرَة في أجنحَةِ الملائكةِ…

لا بُدَّ مِنَ القَولِ، إنَّ عُمرَكَ أبي البطريرك عُمْرٌ مَعنويٌّ، هو غير الذي يُعَدُّ على أصابع السّنين…

هو عُمْرٌ يُعَدُّ على أصابع المعاني الوطنيّةِ النّبيلة…

إنَّ الأوطانَ لا تُقاسُ أعمارُها بأعمارِ ما فيها مِن صَخرٍ وماءٍ وتُرابٍ، إنّما بأعمارِ القادةِ التّاريخيينَ أمثالكَ…

وبهذا المعنى، تَدْخُلُ برحيلِكَ زمنَ اللاّمَوتِ وزمنَ الحضورِ الدّائمِ…

تَمضي الى شُرفَةِ الخلودِ حيثُ كرسيّكَ هنالك صَنَعْتهُ بِعَرَقِ الجبينِ والقلبِ والعقلِ، وحيثُ إنْ خَطَرَ لكَ أن تستقيلَ لن تستطيعَ ذلك، شأنُكَ شأنَ البطاركَةِ الموارنَةِ العِتاق الذين حمَلوا لبنانَ على أكتافِهِم الى السّماءِ، في يُمناهم العَصا السّنديان، وصدورهم كنائسُ لها مِن كرامَةِ الطّاعَةِ سقوفٌ، ومِن نُبْلِ العِفَّةِ شبابيكٌ، ومِن بياضِ الفَقرِ أبوابٌ…

اليومَ تكتملُ الرِّحلة، لكنَّكَ لن تغيب…

فلا غيابَ لِمَن مَلأَ الدّنيا مدَّةَ رُبعِ قَرْنٍ من الزَّمنِ…

ولا حضورَ أقوى من الاستمرارِ في ذاكِرَةِ وجدانٍ وشعبٍ وكيانٍ…

صَمَتَ البطريركُ صفير صمتًا جميلاً واثقًا ومُطمئنًا…

انحلَّ في التُّرابِ، فصارَ يقينًا وحقيقةً… صارَ وطنًا…


Current track
Title
Artist

Point EDU مع سالم خليفة: التاسعة مساءتابعوا
+