Home

إلى ثورة جياع دُر

18-05-2020

بقلم سيمونا حدشيتي

حليب 72000 ليرة لبنانيّة، قنينة زيت كبيرة: 54000 ليرة لبنانيّة، ويسكي: 54000 ليرة لبنانيّة، كيس الطحين: 2200 ليرة لبنانيّة، علكة: 1000 ليرة لبنانيّة

مشهدٌ أضحى من الحياة اليوميّة، يتفاقم يومًا بعد يوم، وأصبح من الأبشع لدى اللبناني.

بعض الألسنة والأصوات والأقلام توحي بأنّ ثورة 17 تشرين هي السّبب في تدهور الوضع الإقتصادي وغلاء المعيشة الخانق. ولكن لا بدّ من التّذكير بأنّ هذه الأزمة المعيشيّة والتّي على ما يبدو ستتفاقم على مرّ الأيّام، هي ليست نتيجة 17 تشرين، بل كانت قنبلة انفجار هذه الثّورة، قنبلة كانت موقوته لسنوات حتّى ولو المُستهلك لم يرى الصّورة بوضوح.

يومًا بعد يوم، تتفاقم معاناة اللبنانيين المعيشية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الجنوني. غالبية الأسعار ارتفعت في لبنان بمعدل 100 % بسبب الأزمة النقدية، ولا أحد يعلم كم هي دقيقة الأخبار التّي تتحدّث عن إنخفاض سعر القليل القليل من السّلع بنسبة 10 أو 20 %.

أضحى لبنان يئن ويشكو من ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، ولم يعد أصحاب الدخل المحدود قادرين على العيش الكريم، ناهيك عن الشرائح التّي تعيش تحت خط الفقر.

الأسعار تشتعل مع كل ارتفاع لسعر الدولار ولا تنخفض مع انخفاضه، أمّا الفرق فيدفعه المواطن البسيط المغلوب على أمره الذّي يطحنه الغلاء بقرارات حكومية متخبطة لا تقدَر أن تكبح جماح الأسعار أو توقِف جشع التجار والموزعين والمستوردين والمحتكرين.

جنون الأسعار يضرب أسواق الخُضار والفاكهة والألبان واللحوم وحتى أسواق الملابس الجاهزة والأجهزة الكهربائية ومستلزمات الإنتاج.

الارتفاع الأكبر بالأسعار هو على السلع الغذائية، حتى السلع المدعومة منها، مثل الدواء والمحروقات والطحين. تسألون لماذا؟ السّبب هو أنّ هذه القطاعات مُحتَكَرة من كارتيلات تَرفع الأسعار بطرق ملتوية.

55 % من الشعب اللبناني يُعد فقيرا، ربع الشعب اللبناني مدخوله ليس كافيا لتأمين غذائه، و30% من اللبنانيين بإمكانهم تأمين الغذاء فقط لا غير، من دون الاحتياجات الأخرى مثل الاستشفاء وأمور تُعتبر من الأساسيّات.

الخِناق يشتد في ظل انخفاض القدرة الشرائية مع انخفاض سعر صرف العملة الوطنية، فرصة استغلّها التجّار وخَلَقت فوضى مُخيفة في التّسعير. بعض محال السوبرماركت أُقفِلِت أبوابها بسبب تلاعبها بالأسعار ومُنِع اصحابها من مزاولة مهنتهم لبعض الوقت. ولكن هل هذا هو الحلّ؟

مع طلوع شمس كل يوم جديد في لبنان، يتفاجأ اللبنانيّون بأسعار جديدة يتم لصقها على السلع الضرورية في الأسواق، وبات توفير احتياجات أسرة بسيطة هاجسا.

فوضى الأسعار التّي تعبث في الأسواق هي نتيجة سياسات قديمة توالت على مدى سنوات.

لنعد بالزّمن إلى الوراء. تسارعت حدّة الأزمة على وقع الهندسات المالية واستمرت، الأمر الذّي جرف معها قطاعًا تلو القطاع، وصولًا إلى السوق النّقدي مطلع العام الماضي 2019، الذّي أجبر المصارف على فرض قيود على حركة الأموال. انفجرت يومذاك أزمة الإستيراد، ولنتذكّر معًا، الحلول انحصرت بتأمين الدولار فقط لإستيراد القمح والمحروقات والأدوية.

وما حصل هو أنّ سعر الصّرف الخاضع لعمليّة العرض والطّلب هو الذّي أصبح بعدَها المُتَداوَل. وهكذا بدأ مشوار الألف ميل مع انهيار الليرة الواضح وارتفاع الدّولار الذّي أثّر على نسبة تضخم الأسعار، فانخفضِت القدرة الشرائية للمواطن.

بعض المؤسّسات فَرَضت على المُستهلكين الدّفع بالدولار فقط لا غير إذ إنّ الدولار كان مفقودا ولا يزال، ما أجبر المؤسّسات على التسعير بالليرة اللبنانيّة ولكن بحسب سعر الصرف المعمول به في السوق الموازية والتّي تحوّلت لسوق سوداء. وبطبيعة الحال ارتفعت أسعار الاستهلاك بنسب متفاوته وهي النسبة التي خسرتها العملة الوطنية.

بعيداً من أزمة الدولار، هناك أسباب أخرى ورئيسيّة وراء بدء ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية من منتصف العام 2019 وتطوّرها لاحقاً، وهي الرسوم الجمركية التّي فُرِضَت على المستوردات.

في موازنة العام 2019 تمّ فرض رسم بنسبة 3 % على كلّ المستوردات الخاضعة للضريبة على القيمة المضافة، وتمّ فرض رسومٍ تتراوح بين 10 و35 % على سلة كبيرة من المواد المستوردة، خصوصًا المُنافِسِة لنظيرتها اللبنانية.

ومع أنّ موازنة ال 2019 كانت استثنت المواد الأولية المُستخدمة بالصناعة المحلية من أي رسوم جمركية، إلّا أنّها وقعت بشَرَك أزمة شح الدولار، وأدت القيود التّي فرضتها المصارف الى ارتفاع تكلفة استيراد المواد الأولية، وبدورها زادت تكلفة المصنوعات اللبنانية. المؤسسات والمصانع اللبنانية اضطرت لشراء الدولار من الصرافين بأسعار تفوق 1850 ليرة ووصلت لل 2000 ليرة آنذاك، واليوم أكتر من 3000، لتأمّن استيراد مواد أولية، فارتفعت أسعار السِّلَع المحليّة الصّنع.

كيف يمكن مواجهة ارتفاع الأسعار في المرحلة الراهنة والمُقبِلة. كيف يمكن للمُستهلِك أن يحميَ نفسه؟

الجواب الأبسط هو من خلال إختياره المنتجات الأدنى سعراً أو الأقل غلاء إذا أمكن القول.

ولكن الأهمّ هو التوجّه للمنتجات اللّبنانيّة الصُّنِع والبعض منها لا يزال محافظا على سعره أو ارتفع بنسبة مقبولة.

والحلّ الأسهل، والأهمّ في هذه المرحلة، هو الذّي بدأ به معظم اللبنانيين في بعض المناطق. علينا الآن قبل أي وقت أن نعود إلى الزراعة البيتية البيئية الصحيحة والتّي تُبعدنا عن مشاكل صحية متعددة ومتنوعة من جهة، ونتخطّى إلى حدٍّ ما ارتفاع الأسعار الذّي طال أيضًا الخضار والفاكهة، من جهة ثانية.

وهنا يكمُن دور المهندسين الزراعيين الذّي يتوجّب عليهم القيام بواجبهم العلمي والبيئي، عن طريق مشاريع منتجة ومفيدة لمصلتهم ومصلحة مجتمعهم، من خلال استثمار أراضٍ، أو الدخول في شراكة مع ملّاكين كبار، وذلك بالتوجه نحو الزراعة البيئية العضوية بمواصفات ومعايير عالميّة الأمر الذّي يُسهّل علينا مستقبلا دخول الأسواق الأوروبيّة والعالمية بمواصفات عالية الجودة.  واجِبٌ علينا أن نزرع كل بقعة تراب، وان نستصلح الإراضي المنحدرة الصخرية  كما فَعَلَ أجدادُنا وبإمكانيّاتهم الضّئيلة والمتواضعة.

لبنان على أبواب ثورة جياع، زادها زخما فيروس كورونا وكلّ التّدابير الإحترازيّة التّي اتّخذت لحماية المواطنين والبقاء في منازلهم مع ارتفاع البطالة وصرف عدد كبير من الموظفين وبات الحد الأدنى للأجور بحدود 200 دولار.

التفاوت الطبقي أصبح واضحا في لبنان عدد كبير من اللبنانيين يرزح تحت خط الفقر، والأرجح ان ما شهدناه من تظاهرات في ثورة تشرين على نطاق ضيّق، سيتحوّل إلى تظاهُرات شعبيّة واسعة.

مُعاناة لبنان الاقتصادية ليست وليدة السّاعة، ولكن تزامُنها مع كورونا فجّر الأمور.

قد تكون الحكومة احتوت الأزمة صحيًّا إلى حدٍّ ما، ولكنها فاقمت من الأزمة الاقتصادية بغياب الاصلاحات والاجراءات الفعلية والعلاقة السيئة مع المصارف التي توقفت كليا عن الدفع بالدولار، حتّى الحوالات الخارجيّة باتت نادرة وبقبضها اللبنانيون بالليرة اللبنانيّة التّي تراجعت قوتها الشرائية.

المشكلة الإقتصاديّة دفعت بلبنانيين كثر الى خرق الحجر الصحي والحظر المفروض عليهم وتخطّوا خَوفهم من كورونا، فإمّا الموت من الفيروس أو الموت من الجوع، بالتّوازي، أعلنت اللجنة الدولية لحقوق الإنسان في تقريرها الاخير أنّها تلقت تقريرا عن الواقع المعيشي السيى الذّي يعيشه اللبنانيون نتيجة الغلاء الفاحش في البلاد.

ويشير التّقرير إلى أنّ البطالة طالت غالبية المجتمع اللبناني والتي فاقت ثلاثمئة الف وظيفة نتيجة الوضع الاقتصادي والاحتجاجات التي اقفلت مؤسسات بشكل جزئي وأتى وباء كورونا ليزيد الوضع سوءا. وحذرت اللجنة من انفجار اجتماعي غير محدود الملامح، إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات استثنائية للحد من الوضع المتفاقم على مستوى تحديد سعر صرف العملة الوطنية، وإطلاق الرقابة على أسعار السلع غير الثابتة نتيجة التلاعب بتسعير العملة الصعبة.

اللجنة حذّرت أيضًا المؤسسات المالية من البقاء على سياستها غير المسؤولة وانتهاجها سياسات وهندسات مالية حملت الدولة جزءا كبيرا من الخسائر.

في العام 2019الماضي كشف موقع Expatistan أنّ لبنان حلّ في المرتبة 29 عالمياً من أصل 105 دول من حيث كلفة المعيشة. وحلّت بيروت على مستوى منطقة الشرق الأوسط في المرتبة الخامسة من أصل 21 (بعد الدوحة ودبي وتل أبيب وأبو ظبي.)، وأوضح الموقع أنّ بيروت أغلى بـ 85% من اسطنبول و7% من برشلونة، وهي أغلى مدينة في الشرق الأوسط لناحية الخدمات (كهرباء، تدفئة، غاز).

كما تُعد بيروت أغلى مدينة في الشرق الأوسط لجهة تعرفة دقيقة المخابرة المدفوعة سلفاً في الهواتف النقالة، اضافة الى نسبة 19% اعلى بالمقارنة مع باريس لجهة الترفيه، و18% بالمقارنة مع لاس فيغاس.

ويبقى لقارىء هذه السطور ان يسأل ماذا أنتظر للتّغيير؟


Current track
Title
Artist

Point EDU مع سالم خليفة: التاسعة مساءتابعوا
+