Home

أهلي ماتوا في المَجاعة!

25-04-2020

بقلم سيمونا حدشيتي

ما يشهده لبنان اليوم ليس بجديد على بلد عايَش الفقر. غلاء المعيشة، أزمة المواد الغذائيّة وغيرها من الأمور الحياتيّة المعيشيّة، بظروف مختلفة وأزمنة متعدّدة، كأنّ التاّريخ يعيد نفسه، ولكن المُعانات هذه المرّة بطريقة مختلفة، معانات لبناني معروف بطائر الفنيق.

لِنعُد معًا 104 عاما إلى الوراء، وتحديدًا إلى سنة 1914، تاريخ لا ينساه العالم بأسره، وتحديدًا لبنان: الحرب العالمية الأولى.

القليل القليل الذي يعي أنّ لبنان هو أكثر بلد لحقت به خسائر بشريّة في الحرب التي بدأت في العام 1914 وانتهت في 11 تشرين الثاني  1918.

لم يخسر أي بلد من البلدان المُشاركة في الحرب او المتضرّرة منها خُمس سكّانه، إلّا لبنان. لبنان الذي قال جبران خليل جبران عن أرضه إنّها تدر “لبناً وعسلاً”، إلّا أنّ مجاعة نادرة الإحتدام ضربته بعد سنة من بداية الحرب العالميّة الاولى وحّتى نهايتها.

200 ألف ضحيّة من أصل مليون لبناني آنذاك، معظمهم من منطقة أطلق عليها اسم “متصرفية جبل لبنان”، تمتّعت بالحماية الفرنسية، أمّا باقي الأراضي فكانت تحت الاستعمار العثماني.

الحصار البحري، آفة الجراد، مُصادرة الجيش العثماني للحبوب، فساد الإدارة العثمانية وشركائها اللبنانيين، المضاربة في أسعار المواد الغذائية، الربا الفاحش الذي مارسه تجار ومرابون، هي بعض من الأسباب التّي تُفسّر المجاعة في المناطق اللبنانية وارتفاع عدد ضحاياها.

المجاعة التّي بدأت بجحافل جائعة من الجراد وصلت والتهمت كل شيء،  وأصبح العام 1915 معروفا عند اللبنانيين باسم “عام الجراد” الذي لم يتمكنوا من مكافحته، فاستوطن الجوع ومعه مسببات المرض في كل مكان.

مع انتشار أسراب الجراد في جبل لبنان التّي حجبت الشمس، فتح البطريرك الياس الحويك أموال البطريركية المارونية وأمواله الخاصة لمساعدة وإطعام الفقراء بمختلف أديانهم. يُذكر أنّه وجه نداءً في 9 كانون الأول 1916 حضّ فيه الإكليروس على بيع الأراضي لإطعام الجُياع، وكان نصير المظلومين حين دأب على مطالبة العثمانيين بالإفراج عن الزعماء المعتقلين الموارنة والدروز باسم المواطنية والوحدة الوطنية.

وبحسب المؤرخ الدكتور عصام خليفة استطاع الحويك مُقاومة المجاعة من خلال دعم فرنسا له بمساعدة بلغت نصف مليون فرنك، اضافة لمساعدات غذائية ارسلتها للغاية نفسها.

لكن الحصار البري الذي فرضه الحاكم العثماني العسكري جمال باشا شكل العامل الأبرز في خنق سكان منطقة جبل لبنان الذين كانوا بمعظمهم من المسيحيين الموارنة المحميين من فرنسا، ما أثار مخاوف من قيام الموارنة بدعم حملة الحلفاء، وكان ينبغي بالتالي تجويعهم قبل أن يتسلحوا.

أمر جمال باشا بقطع الأشجار الحرجيّة والمثمرة كي يضيّق على الأهالي وبالتّالي تزويد الجيش العثماني بالحطب. حتى أنّه حرمهم من مصدر رزقهم الأساس بقطع أشجار التوت التّي كانت تُستخدم لتربية الشرانق وصناعة الحرير، الأمر الذّي ترافق مع الحصار البريّ والبحري فأقفل كلّ أبواب رزقهم.

ودائمًا بحسب المؤرّخ خليفة، لعب المطران نعمة الله ابي كرم دورًا أيضًا بتأمين مُؤن ومساعدات طبية واستشفائية وأدوية من الصليب الأحمر الأميركي، وحُمولاتها أُفرِغِت داخل حرم الجامعة الأميركية ببيروت. ويقول خليفة إنّ الباخرة كان تحمل 500 غالون من الزيت، 800 الف كيس من القمح، الف صندوق من الحليب المركز، 20 الف كيس من السكر، 80 الف كيس من الفول، 98 الف كيس من الطحين، 100 الف كيس من البرغل، 300 الف كيس من الأرُز، 5 آلاف غالون من الكاز وعدد لا يستهان به من مواد صحية وأدوية للمستشفيات. وعرّف خليفة بدور المطران ابي كرم، الشخصية المقربة من البابا بينيديكتوس الخامس عشر الذّي كان يعتمد عليه بمراسلاته، الأمر الذّي سهل عليه استعمال نفوذه مع رؤساء اوروبا، وتمكن من جمع 4 ملايين فرنك فرنسي في خدمة مقاومة المجاعة.

يبدو إنّ دور العثمانيين في الحرب كان مصادرة المحاصيل والحيوانات المُستخدمة بالنقل أيضاً. الأمر لم يقتصر على الجوع فقط، إذ إنّ قرى بأكملها خلت بعد وقوعها فريسة أمراض التيفوئيد والكوليرا التّي انتشرت بفعل الحصار المزدوج.

الجوع تحوّل إلى مجاعة فتكت بمعظم اللبنانيين، وتحديدًا أبناء قرى الوسط. سوء التّغذية وقلّة النّظافة أضعفت أجساد النّاس، فانعدمت المَناعة وفتكت الأمراض بالجميع، شحّت الأدوية، إلى حدّ إجبار أطباء وصيادلة المتصرفية على الإلتحاق بالجيش العثماني.

أمّا الحصار البحري فأسهم في انخفاض القدرة الشرائية للأهالي بسبب وقف تصدير الحرير إلى الخارج وعدم وصول تحويلات المغتربين المالية إلى أهلهم عبر بيروت.

المجاعة حساسة طبقياً، وتصيب الفقراء ويُعفى منها الأغنياء.

شركاء موظفي الإعاشة العثمانية الفاسدة من اللبنانيين والمرابين والتجار لعبوا دورًا في رفع الأسعار والاستحواذ على أملاك الناس لقاء النذر القليل من المال.

استناداً لمذكرات كَتَبَ معظمها الآباء اليسوعيون في لبنان، كانت الناس، وبفعل الجوع والأمراض، تنهار على الأرض وتتقيأ الدمّ، وكانت جثث الأطفال ترمى بين أكوام النفايات. ويُقال إنّ أحد الكهنة صادف في العام 1917 أرملة ميتة منذ 3 أيام مع إبنها البالغ 10 اعوام الفئران نهشت أذنيه ووجنتيه.

وبعض الكُتُب تتحدّث عن حالات أكل لحوم بشر، ومنّها أنّ رجلًا قتل ولداه ليقتات منّهما كلّ يوم، وَلَدًا يأكل الحذاء المصنوع من جلد الحيوانات، وفتاة تأكل من النّفايات.

الغلاء الفاحش للسلع الغذائيّة دفع بالأهالي إلى بيع الأراضي والبساتين والمنازل، الذهب الأواني والثياب، حتّى أثاث البيت والقرميد.

أُناس ماتوا كي لا يمدّوا يدهم لأحد، ولكن البعض الآخر، وتحديدًا النّساء، بِعنَ أجسادهنّ.

انضمت الدولة العثمانية إلى القوى المركزية في الحرب العالمية الأولى في 28 تشرين الأوّل 1914. وخصّصت الحكومة كلّ خدمات السكك الحديدية التابعة للإمبراطورية للاستخدام العسكري، والتّي عطّلت وصول المحاصيل لأجزاء من الأمبراطورية. كانت بيروت من أولى المدن المتضرّرة من نقص الحبوب.

وبعد أسبوعين فقط، اقتحمت مجموعة من المواطنين بلدية بيروت لتحذير مجلسها من النقص الحاد في القمح في المدينة، حتّى أنّ عربات القطارات أضحت تنقل الحبوب بانتظام من حلب ورفوف المخابز فارغة.

ثار الجياع، ونهبوا المخابز والمخزون الاحتياطي من الدقيق والحبوب. عندها أرسل مجلس البلدية رسالة إلى والي بيروت والذّي بدوره طلب المؤن من حاكم حلب وحضّ السلطات العثمانية على إعطاء أولوية لشحن الحبوب إلى بيروت.

توفر عربات القطارات لنقل أي شيء لبيروت كان من الأمور المستحيلة إلّا بعد دفع رشاوى كبيرة للقادة العسكريين وسلطات السكك الحديدية. ارتفعت أسعار الحبوب، الأمر الذّي أجبر رئيس بلدية بيروت أحمد مختار لحلّ مشكلة نقص الحبوب بنفسه.

المشهد السّائد آنذاك:

هياكل بشرية، عظام من دون جلد بسبب الجوع.

أب يحفر قبر أولاده الذّين ماتوا بسبب الجوع.

أمّ تحضن أولادها بحنان قبل أن يموتوا بسبب الجوع.

كُثر هم من أحرقوا جثث موتاهم وأكلوها لسد جوعهم.

منهم من قضى في قبوِ منزل خلال تفتيشهم على بقايا حيوان ليأكلوا من لحمه المتبقي.

هذا المشهد تحدّث عنه أيضًا المهندس سام افرام باسيل في رسالة كان ارسلها جدّه عبدو فرنسيس سام باسيل لأقاربه في المهجر، وصف فيها مآسي المجاعة التي أصابت قريته درعون في جبل لبنان خلال الحرب العالمية الأولى، يقول:

“لو جئنا نذكر لكم كلَّ شيء أصابنا، لَعجزَ اللسان عن ذلك. ومهما سمعتم في الجرائد ونحن كتبنا لكم. لا يمكن ان تسمعوا ربع قيراط من أربعة وعشرين، من الذي اصابنا من بهدلة وإهانة ووجع وجوع وعري ومنظرنا وحده كان كافياً للحزن والتأسف. فنحن اليوم قد خلقنا خلقةً جديدة على الأرض لأننا قمنا من بين الأموات، ونشكر الله على هذه النعمة العظيمة إذ أبقانا أحياء، لأننا كل مساء كنا نودّع بعضنا بعضاً، ولا نعلم من يصبح ميتاً ومن يصبح في حالةٍ حزينة. نسأل الله ان لا يعيد هذه الأيام على أحد في ما بعد”.

ليس شرطا أساس أن تكون الحرب بالأسلحة والمدافع، فقد تكون صحيّة واقتصاديّة أيضًا.

حالتنا في لبنان اليوم تشبه فترة الحرب العالميّة الأولى. مداخل لبنان البريّة، البحريّة والجويّة مُقفلة بسبب كورونا، اللبناني يقف في الصّف أمام أبواب المصارف وأضحى محكوما من الصيارفة بسبب أزمة الدولار والليرة اللبنانيّة، أقلّ حقوقه مُصادرة منذ عقود، الفساد يتغلغل في مسؤوليه وبعض من إداراته على مدى أعوام، وأسعار المواد الغذائيّة أصبحت مثل البورصة.

والسؤال الذي يُطرح: في القرن ال 21 من يمدّ له يد العَون؟

الجواب في كلّ إنسان مقتنع بمقولة: ما بحكّ جلدك إلا ضفرك.

ومع  جبران خليل جبران نردّد:

مات أهلي على الصليب

ماتوا وأكفّهم ممدودة نحو الشرق والغرب وعيونهم محدّقة إلى سواد الفضاء

ماتوا صامتين لأن آذان البشرية قد أُغفلت دون صراخهم .

ماتوا لأنهم لم يحبّوا أعداءهم كالجبناء، ولم يكرهوا محبّيهم كالجاحدين .

ماتوا لأنهم لم يكونوا مجرمين .

ماتوا لأنهم كانوا مسالمين .

ماتوا جوعا في الأرض التي تدرّ لبناً وعسلاً .

ماتوا لأن الثعبان الجهنمي قد التهم كل ما في حقولهم من المواشي وما في أهرائهم من الأقوات .

ماتوا لأن الأفاعي قد نفثوا السموم في الفضاء الذي كانت تلمؤه انفاس الأرز وعطور الورد والياسمين .

مات أهلي واهلكم أيها السوريّون ، فماذا نستطيع أن نفعل لمن لم يمت منهم؟

إن نواحنا لا يسد رمقهم ودموعنا لاتروي غليلهم، إذن ماذا نفعل لننقذهم من الجوع والشدّة؟

هل نبقى مرتابين، متكاسلين، مشغولين عن المأساة العظمى بتوافه الحياة وصغائرها ؟

إن العاطفة التي تجعلك _ يا أخي السوري _ تعطي شيئاً من حياتك لمن يكاد يفقد حياته هي الأمر الوحيد الذي يجعلك حريّا بنور النهار وهدوء الليل .

وإن الدرهم الذي تضعه في اليد الفارغة الممدودة إليك هو الحلقة الذهبية التي تصل ما فيك من البشرية بما فوق البشرية.

للإستماع إلى الحلقة الخاصّة عن مجاعة لبنان خلال الحرب العالميّة الأولى، عبر الرابط الآتي:

https://www.rll.com.lb/2020/04/24/the-winner-world-war-1-and-starvation-in-lebanon/


Current track
Title
Artist

بلديتي بلدتي مع فادي ناكوزي الاثنين الساعة الثانية عشرةتابعوا
+