Home

الكنيسة المجاهدة

16-12-2020

 بقلم هدى عيد

الكنيسة هي سر المسيح المتجسّد، هي واقع إلهي وإنساني يُعاش في نطاق الزمان والمكان بأبعاده التاريخية والجغرافية والاجتماعية والحضارية. لقد ورد في رسالة لقداسة البابا بولس السادس أنّ الكنيسة المنتشرة في كلّ العالم تصبح مجرد نظام ما لم تكن مجسدة وحيّة في كنائس خاصة.

فالكنيسة حضور يعبر عن نفسه عبر تراث ثقافي ولغات معينة وتكوين إنساني خاص. إنها مجموع المؤمنين، مَعنية بالتحولات التي يشهدها العالم لأنها ليست جزيرة معزولة ومنعزلة أو جسماً غريباً يعيش على هامش التاريخ، بل هي حية تعيش في خضم التفاعلات العالمية والإقليمية وهي مدعوة دائماً لقراءة علامات الأزمنة والتجدد من أجل تفعيل حضورها ووعي دعوتها بحسب قداسة البابا بولس السادس.  فهل كانت على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقها؟

لقد لعبت الكنيسة دوراً محوريا على مدى العصور حيث قادت شعوبها ومجتمعاتها وحققت لها أوضاعاً ساعدتها على الاستمرار والتجذر حتى استشهد بعض رجالاتها رافضين إلى جانب المؤمنين الإذعان أو التخلي عن إيمانهم ورسالتهم.

يُحكى أنّ كاتباً مسيحياً مجهولاً في نهاية القرن الميلادي الثاني وجّه رسالة دفاعية عن المسيحية إلى امرىء وثني أبدى تعجبه فيها كيف يرمون بالمسيحيين إلى الوحوش لإرغامهم على نكران السيد المسيح ، فلا ينغلبون؟ ويضيف، بحسب الأب الدكتور جورج مسوح: ألا ترى أنّه كلما كثُر الشهداء كثُر المسيحيون ؟ إذ إنّهم في وسط العالم يخصبونه مثل القوة التي تبثها النفس في الجسد. هذه الرسالة دُوّنت في أوج عصر الاضطهاد الذي مارسته الامبراطورية الرومانية ضدّ المسيحيين الذين لم يثنهم الاضطهاد عن الإيمان بل زاد عددهم.

وفي العصور الإسلامية، إستغرب الجاحظ كيف يتكاثر المسيحيون على الرغم من أنّ كل مطران أو أسقف وكذلك كلّ أصحاب الصوامع والمقيمين في الأديرة وكلّ راهب في الأرض وراهبة مع كثرتهم لا يتزوجون وأنّ مَن تزوّج منهم امرأة لم يقدر على استبدالها ولا على أن يتزوّج أخرى معها، وهم مع هذا قد ملأوا الأرض وغلبوا الأمم.

فالكنيسة أو الجماعة المسيحية لم تُختزل فقط في العدد وإنما أيضاً في النوعية حيث أرست دعائم النهضة في أيّ مجتمع من المجتمعات وُجدت فيه.

ولطالما شكلت خشبة الخلاص في فترات الحروب والثورات وفي أحلك الظروف وأقساها رغم الضغوط والاضطهادات، لم ترضخ ولم تتراجع أو تتنازل عمّا يُعتبر حق بالحرية وتقرير المصير وزوال الاحتلال والاهتمام بالإنسان للعبور إلى شاطىء الآمان.

لكننا نسأل لماذا هذا التراجع اليوم؟ علماً أنها واجهت الكثير من التحديات والمشكلات التي كانت تهز كيانها في الصميم ولكن من دون أن تتمكن أبواب الجحيم عليها.

إنّ المطلوب اليوم كي تبقى أمينة مؤتمنة على رسالتها التي أرادها الله لها وبفعل إلهي أن تساعد المؤمن كي يواجه الأزمات مهما تراكمت واستشرست أوعظُمت فيبقى سالماً مطمئناً إلى مستقبله.

من هنا فإن تشديد عزيمة المسيحي ليثبت ويتشبّث في إيمانه ضروي وملح رغم الضيق الذي تحدّث عنه الإنجيل، ولكننا في النهاية نؤمن بان قلب يسوع سينتصر وسيغلب العالم.


Current track
Title
Artist

Point EDU مع سالم خليفة: التاسعة مساءتابعوا
+