Home

باقيين في كل لبنان، البدايات … لو تعلمون  

06-09-2020

بقلم إيلي حرب      

روى لي صديق قديم مقاتل في صفوف المقاومة اللبنانية، وانتمى بعدها وما زال الى القوات اللبنانية ان كثيرين يسألونه عن الاوضاع في البلاد والمصير الذي ينتظرنا، خاصة كمسيحيين، مع تدهور الاوضاع والسلاح المتفلت واحتمال نشوب حرب جدية في لبنان نتيجة عوامل عدة مجتمعة ليس اقلها تردي مستوى المعيشة وارتفاع معدل الفقر والبطالة والتشنج الحاصل بين المذاهب والطوائف المكونة للبنان، وهو ما اشارت اليه اكثر من صحيفة اجنبية.

ويتابع صديقي أن السائلين يستفسرون منه عن جهوزيته وجهوزية رفاقه للدفاع عن مناطقهم، كما في 1975،  في حال لا سمح الله تعرضت لهجوم او لتسلل مسلحين من خارجها… ويقول الصديق انه يضحك لهذه الاسئلة والاستفسارات ….يطرق برأسه “كأننا كنا جاهزين وقتها او كنا نتوقع ان تحصل حرب علينا”

سألت صديقي عما حدث حينها وكيف تمكن شباب واولاد عائلات من وقف مد الفصائل والمنظمات الفلسطينية والحركات اليسارية ومنع دخولهم المناطق.

استرسل صديقي في الشرح مفصلا احداثا عدة عايشها فقال:

“كنا نهرع حين يتناهى إلى مسامعنا حدوث هجوم على منطقة أو بلدة وقرية او شارع في بيروت، أو عند حصول أي حدث أو سماع صوت رصاص أو تصاعد دخان من مكان ما.

 لم نكن نأبه بالخطر، لم نعِه ولا مرة. همنا كان منع دخول المسلحين من المنظمات الفلسطينية والحركات والمنظمات اليسارية المدججين بالاسلحة الى مناطقنا واحيائنا ومواجهتهم ولو باللحم الحي وبعدد قليل من الرصاصات التي كنا ندفع ثمنها. كنا نتنقل لتفقد المتاريس الثابتة وتأمين الحراسة والمراقبة عليها ونتراشق أحيانا بالاسلحة مع الجهة المقابلة.

ربيع وصيف 1975 حرست وأصدقاء شارع منزلنا ببارودة صيد (جفت) حملتها أسابيع لمنع عبور المسلحين من مخيم إلى آخر وإخافتهم، فيما كان مع صديقي بندقيتي م 49 واحدة منهما من دون ممشط.”

ويضيف : “هرعنا يوما إثنان الى بلدة في قضاء بعبدا لنا فيها أصدقاء، وترددت شائعات أن فيها مجزرة، ولم نكن نعلم، دخلنا “قرية الأشباح” الى أن توقفنا أمام شجرة تقطع الطريق، حاولنا إزاحتها فاطلق رصاص فوق رأسينا من الغابة المجاورة، لمنعنا من التقدم، فعدنا. زرنا الاصدقاء في بيروت فأكدوا المجزرة: ثمانية أشخاص من العائلة نفسها ذبحوا ليلا ونزحت العائلات كلها فدخلتها بعد وقت قصير من عودتنا فصائل عسكرية وتمركزت فيها.

بلدة أخرى في المتن حدث فيها الشيء نفسه … توجهنا اليها أنا وصديقي المجنون من دون معلومات او أخبار دقيقة عما يحصل، بعدما قيل لنا أن رفيقا من المدرسة  يقود معركة فيها. دخلناها …. بلدة اشباح أيضا….لا احد فيها… اجتزناها من أولها الى آخرها…. لم نرى احدا، سوى بقع دماء على بعض الارصفة ومفارق الطرق وشعارات وألقاب على حيطان المنازل لفرق “ابو الهول” وأبوالموت” تم محيها واستبدالها بشعارات وألقاب مألوفة … علمنا لاحقا من الرفاق أنهم حرروها فجرا قبل ساعتين من وصولنا. فالصديق الرفيق مع أبناء بلدته فكوا الطوق وأخرجوا العائلات منها بعد قتل عدد منهم على يد مسلحي المنظمات وحلفائهم وغادروها لانها ساقطة عسكريا وتفاديا لمزيد من القتل والمجازر فيها”.

يسترسل صديقي في ذكرياته ويضيف فصلا آخر غير معروف من فصول المقاومة والنضال:

“قررنا غداة اشتباك محدود في محيط معهد هايكازيان أول شارع الحمرا، النزول بثياب مدنية كطلاب لاستطلاع انتشار المسلحين. كنا نخفي “بونيات” وسكاكين 7 طقات وعصي سوداء صغيرة و”روسورات” تحت ثيابنا. المسدسات كانت لمن يملكها او للنظاميين الذين ربطوا مداخل الشوارع لحمايتنا من اي اعتداء مفاجىء. جلنا في الشوارع المحيطة للمعهد كشفنا مداخل أبنية وحركة التواجد فيها، ابلغنا ما نعرفه، رمينا معداتنا في السيارات، وانتقلنا الى شارع الحمرا لحضور ما تعرضه الصالات من افلام.

ويكمل صديقي القديم : “هكذا كانت بدايات الحرب. وسائل الاعلام مقتصرة على راديو وتلفزيون لبنان وأخبار من إذاعة مونتي كارلو. لا تحذيرات أو تفاصيل عما يجري. اجهزة الاتصالات اللاسلكية نادرة في المراكز الحزبية الرئيسية .. معارك واحداث ليلية متنقلة غير ثابتة في المناطق والشوارع المفتوحة على بعضها من الشمال الى الجنوب وكانت تسمى “جولات”، اما نهارا فالحياة طبيعية وكأن شيئا لم يكن. لم تكن هناك شرقية وغربية واحتاج الامر سنتين واكثر، في بعض المناطق، لتحديد ما عرف لاحقا بخطوط التماس. تلك الفترة عرفت لاحقا بحرب السنتين.”

توقف الصديق المسترسل في ذكرياته متكتما على المزيد ليختم: ” هكذا قاومنا، لم نكن مدربين ولم نكن عسكريين، وسنفعلها مجددا اذا لزم الامر، إبن القضية دائما مستعد للدفاع عن اهله وارضه وعرضه… هكذا قاومنا وباقيين فلا تسألونا”.


Current track
Title
Artist

بـ 40 دقيقة مع سيمونا حدشيتي الساعة الرابعةتابعوا
+