Home

تعليم التاريخ في لبنان: توحيد النّظرة للوطن

25-03-2019

بقلم سالم خليفة

لتعليم تاريخِ لبنان في المدارس، نكهةٌ طيّبةٌ خاصةٌ عابقةٌ برائحة الحبق، والزوفا، والزيزفون، تُطربُ الدارسَ والمدرِّسَ على السواء، فمادة التاريخ، يفترض أن تختزنَ ذاكرة جمعيّة وجماعيّة واحدةً لشعبٍ كافح، وناضل، وعانى ما عاناه كي يورِثَ وطنًا لأجياله الآتية. ومقوّماتُ الوطنِ كما تاريخُه، لا تنحصر بالحروبِ والمعاركِ والمؤامراتِ، أو بالقادة العسكريين والساسة فقط، بل تتعدّاهُم –على أهميّتِهم- لتشملَ من حمَل إسم لبنان إلى العالميّة من خلالِ اختراعاتٍ أو مناصبَ تبوّأَها. فلا يقف شبّانُنا وشابّاتُنا فارغين الفاه إن ذُكِرَ أمامَهم، حسن كامل الصبّاح، أو رمّال رمّال، أو دوريس ضو، أو منى نمر. ويصحُّ هذا، إن سُكِبَ التاريخُ كاملاً صحيحًا غيرَ مُجتزَءٍ، ولا محرَّفٍ، في كتابٍ يحفظُه اللبنانيّون جميعُهم ولا يحفظون غيرَه. يحتوي بين طيّاته كلّ الأحداث التي مرّ بها لبنان من دون استنسابية أو تحوير، فلا نخجل مثلا بواقعة هنا أو بأزمة داخليّة هناك ونطالب بحذفها ومحوها من ذاكرتنا وكأنّها لم تحصل، بل صياغتها بقالب الحقيقة النقيّة بعيدًا عن خبث نكىء الجراح، عاملين على تنقية ذاكرتنا من شوائب الماضي. فيلقّننا تاريخنا دروسًا نطبّقها حاضرًا ونصون بها مسقبلنا. ويساهم المعلّمُ من خلال التاريخِ وبواسطة كتابٍ موَحَّدٍ بصقل متعلّمٍ على درب المواطَنةِ الواحدةِ الموحِّدةِ الموحَّدةِ، فننشِّىءُ أجيالا، يؤمنون، بالفعل كما بالقول، بالمساواة بين المواطنينَ، في الحقوق كاملة، وفي الواجبات كاملة، كما، بلبنانَ وطنًا نهائيًا لجميعِ أبنائه. فلا نعودُ نجدُ مواطنًا لبنانيًا، انتماؤه الأولُ عربيّ أو فارسيّ أو غربيّ، وانتماؤه الثاني طائفيّ مذهبيّ سياسيّ، وانتماؤه الثالثُ، إن وُجدَ، يكون لبنان…

أُولى واجبات الكتاب أن يوحّد النظرة إلى الوطن. ولكن، كيف يكون هذا، ولكلٍّ منا نظرته ومثاله؟ وكيف نريد للتاريخ أن يصف الأمير فخر الدين المعنيّ الكبير، أو يوسف بيك كرم؟ وماذا تريدون للتاريخ أن يقول في البطريرك الياس الحويك؟ وهل يصف تاريخنا الشيخ بشير الجميل بفخامة الرئيس؟ أم بالعميل؟ -وبالنسبة لي أنا، هو القائد والرئيس وفخامة الرئيس-. وقاتله؟؟.. أهو بطلٌ قتلَ عميلًا؟ أم مجرمٌ وضيعٌ قتلَ حُلمَ شعبٍ؟…..

نعم، لكتاب التاريخ دورٌ في بناء المواطنِ، إنّما، يتقاسم الدورَ الأكبرَ والمسؤوليةَ، اثنان: مؤسسةٌ تربويّةٌ ومعلّمٌ. فبعض مديري المدارس يرون في التاريخ مادة ثانويّة بعيدة عن اهتماماتهم الأولى لا مادة علميّة لها التثقيلُ الكبير أو الضاربُ الفعّال، وبالتالي ليس لها تأثير كبير بنجاح أو رسوب تلامذتها، لذلك، يمكن أن يسديها أيٌّ ممّن أتقن فنّ القراءة والكتابة، فيتلوها من الكتاب تلاوة، كمن يستظهر قصيدةً فُرِضَ عليه حفظُها…فأجادها…

     فمن إذًا، يعلّمُ التاريخَ…؟ أو من يحقّ له أن يعلّم التاريخ؟ وهل يحق لمن تابع دروسًا في أيِّ اختصاص أن يدرِّس التاريخ؟ والأهمّ من هذا كلّه، هل يمكن أن يعلّم تاريخَ لبنانَ من لا يؤمن بلبنان كيانًا مستقلًّا؟ أو من ينتسب إلى حزبٍ يحمل في متن إسمه، إسم وطن غيرَ لبنان؟ أو من يجاهرُ رئيسُ حزبه بأنّه جنديّ صغيرٌ في جيش ولايةٍ أو دولةٍ غيرِ لبنان؟ هل يمكن أن يعلّمَ تاريخَ لبنانَ من يعتبرُ أنّ لبنان خطأٌ تاريخيٌّ يجب تصيحهُ؟

أسئلةٌ وتساؤلات – يفترض أن تكون سهلة – أضعها بين أيديكم علّكم تجدون لها الإجابات:

  • هل يؤمّن كتاب التاريخ رؤية واحدة تلتفّ حولها المجموعات الطائفيّة والمذهبيّة والفكريّة والسياسيّة في لبنان؟
  • هل توافقت المجموعات اللبنانيّة على نظرة واحدة لتاريخ لبنانَ، نضعه أمانةً وإرثـــًا للأجيال الطالعة؟
  • هل كلّ من يعلّم التاريخ، مخوّل تعليم هذه المادة الحسّاسة؟
  • هل نجحنا بتحويل مادّة التاريخ إلى مادة أساسيّة لا مادة لهوٍ وتسلية؟

وأخيرًا أذكّر أن تحديد المشكلة وإدراكَها هو نصف الطريق إلى حلّها. فلنعمل على حلّ مشكلاتِنا. وللتاريخ صلة وتتمة……..

 

 


Current track
Title
Artist

يا هلا مع رلى: اليوم الساعة العاشرة صباحاتابعوا
+